مذكرات

المرأة الحديدية في ذكرى وفاتها التاسعة.

مصطلح المرأة الحديدية يكنى به عادة النساء الحكوميات والسياسيات اللاتي يظهرن صلابتهن وشجاعتهن أمام الملأ ويتخذن مواقف متزمتة ضد ما لا يرضيهن فيما يخص السياسة ويفصحن عن آرائهن بكل شجاعة وبدون خوف ويتغلبن حتى على الرجال بشدة صرامتهن وإرادتهن الفذّة، ولكنّي دائماً ما أنظر لهذا المصطلح من منظور آخر، فالمرأة الحديدية خاصّتي والتي سأتحدث عنها تختلف كلياً عن هذه الصورة الشائعة.

يكمن معدن الحديد لدى هذه المرأة الحديدية في انها ربّة منزل أعالت أبنائها العشر بنفسها، وكدّت لترى فيهم ما لم تراه في نفسها بدون كلل، ولم تردعها العراقيل بل كانت حافزاً دفعها للاستمرار والمحاولة، وفيّة ومخلصة تمكنت من اكتساب محبة الناس والجيران بحسن مجاورتها ولطفها، كلّي يقين بأن الجميع يشهد على ذلك، أظن أن الجميع يتساءل الآن عن هويّة المرأة الحديدية.

جدّتي –رحمها الله- في ذكرى وفاتها التاسعة، لست أجد وصفاً يصف قوّتها سوى انها إمرأة حديدية، قاومت السّقم حتى آخر دقيقة من حياتها، ولم يكن سقماً خفيفاً، بل كان سرطاناً خبيثاً، بدأ بكتلة صغيرة وتفاقم مع مرور الزمن ليثقل عليها جسدها ويمنعها من الحركة والنطق.

مواقفها النبيلة التي أتذكرها كثيرة، إلا أنني سأذكر موقفاً واحداً فقط أظنه سيكفي لوصف مدى نضارة روح هذه السيدة وروعة خصالها:

في عام 2002، وحين كنت أنا –رزان- أبلغ من العمر أربع سنوات، أصبت بمرض التهاب الرئة، وهو مرض خطير ومميت إن لم يتعجل اسعافي، اخبر الأطباء والداي بانهما عليهما ابقائي في المشفى الى حين شفائي بشكل تام من المرض، وافق والداي لكنهما لم يستطيعا ابقائي بمفردي في ذاك المكان المخيف الزاخر بالحقن وصراخ الاطفال، بالرغم من ان والدتي كانت تحمل من المسؤولية مايمنعها من المبيت، بدأت بتحضير حقيبتها إستعداداً، إلى ان ارتفعت يد جدّتي متطوعةً للبقاء معي بدلاً من والدتي، تطوعت للبقاء والنوم بجانبي أثناء شعوري بالألم، يكتظ المكان بالزوّار نهاراً، وما أن يحل الظلام أبقى أنا وجدّتي والمرض، أذكر أنها كانت تنام في السرير المجاور لي، وأذكر أننا كنّا نلعب سوياً باحدى العاب الاطفال، لست متيقنة ان كانت هذه الذكرى واقعية أو مجرد حلم، لكنّي متأكدة كل التأكد من أن تلك الابتسامة التي رُسمت على شفتاي أثناء شعوري بالألم رسمتها جدّتي. بعد شهر من بقائنا في المشفى شفيت تماماً، وبعد سنوات أخبروني بأن شريكتي في الغرفة التي كانت مصابة بنفس مرضي قد توفيت أثناء مكوثي في المشفى، إلا انهم لم يخبروني في ذاك الوقت لصغر سنّي وخوفاّ من ان أفزع بهذا الخبر أو ان افقد الأمل، قد يبدو ما سأقوله غير منطقياً لكنّي أظن ان بقاء جدّتي معي في تلك الغرفة كان جزءاً من علاجي وسبب تمسّكي بالحياة مجدداً.

في مساء اليوم الأول من سبتمبر من عام 2007، تلقينا اتصالاً هاتفياً صادماً ليُعلن عن خبر وفاة جدّتي، توقفت حواسي عن العمل، وضعت يدي على فمي وامتلأت عيناي بالدموع، أسرعنا لمنزل جدّتي وركضت للداخل على أمل ان تكون هذه مزحة ثقيلة، ولكن لا مزاح في الموت، وجدت المنزل غارقاً بالدموع، يملؤه النواح والصراخ، كان ذلك اليوم يصادف مايسمى بعيد الفاتح، وكانت الألعاب النارية قد اجتاحت البلاد محتفلة، أمّا انا فقد جلست في أحدى زوايا منزل جدّتي محتضنة نفسي لأكمل بكائي متسائلة، لِمَ قد يحتفل العالم في يوم مشؤوم كهذا؟

لطالما أخبرتني والدتي بأنني أكثر الأحفاد شبهاً لجدّتي شكلاً، خاصّة في عيناها الصغيرتان، وكنت أسعد كثيراً بهذا، أنا اشبه المرأة الحديدية، ليتني أشبهها في إصرارها، وقوة صبرها، وقدرتها على تجشّم الصعاب.

طمأنت كل من حولها بأنها ستكون على مايرام وهي مطروحة على فراش الموت، رحم الله جدتي وأسكنها فسيح جناته، وعافى الله كل مرضى السرطان.

332[1]
صورة لإمرأة تشبه جدّتي في الملبس والجلسة، وتقليب شاهي العالة.
Advertisements

7 thoughts on “المرأة الحديدية في ذكرى وفاتها التاسعة.

  1. فجداتنا لسن يمثلن فقط الحنان والمحبة الكبيرة الفياضة ، انما يمثلن قيم جيل باختفاءه ستندثر عادات جميلة ، وتقاليد عتيدة ، واسلوب حياة ملىء بالبساطة والروحانية ، عندما قلت جدتى آخر الامازونات قصدت انها وجداتنا انحدرن من نسل النساء المحاربات اللآئى عشن فى بلادنا ، ولعبن دورا هاما ً وحيويا ً فى حياة ابناءهن ، وتميزن بالصرامة الاخلاقية والشجاعة ، وبكثير من الفضائل الاخرى ….هذا ماكتبته عن جدتي أطال الله فى عمرها قبل سنوات بمدونتي http://almuheet.blogspot.com/2009/05/blog-post_31.html

    رحم الله جدتكِ واسكنها فسيح جناته …وأطال الله فى عمر والديكِ وأحبائكِ رزان

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s